أنت الخصم والحكم

مقال رأي يتناول تساؤلات حول قانونية تعيين النائب العام السابق قاضيًا في دائرة الإرهاب، ومدى تأثير ذلك على حياد القضاء، خاصةً أنه سيحكم في قضايا أشرف عليها بنفسه خلال فترة توليه منصب النائب العام
نبيه الجنادي

في نهاية العام الماضي، وفي خطوة مفاجئة، برز اسم المستشار حمادة الصاوي – النائب العام السابق-، عقب تعيينه رئيسًا لإحدى دوائر الإرهاب، وما لبث أن أعلن عن تخصيص الدائرة التي يرأسها لنظر استئناف الجنايات بعد تعديل القانون، ليصبح المتهم بجناية له حق استئناف حكم أول درجة قبل مرحلة النقض – مثلها مثل الجنح-، ما طرح تساؤلات حول قانونية هذا التخصيص وذلك التعيين!.

عندما قرأت أول مرة خبر تعيين المستشار حمادة الصاوي رئيسًا للدائرة، تذكرت موقف تعرضت له في جلسة أمام إحدى دوائر الإرهاب في وقت سابق؛ كنت حينئذٍ أدافع عن متهم محبوس احتياطيًا لأكثر من أربعة أعوام – بالمخالفة للقانون-، إذ ينص قانون الإجراءات الجنائية على أنه: “في جميع الأحوال، لا يجوز أن تجاوز مدة الحبس الاحتياطي في مرحلة التحقيق الابتدائي وسائر مراحل الدعوى الجنائية ثلث الحد الأقصى للعقوبة السالبة للحرية، بحيث لا يتجاوز ستة أشهر في الجنح وثمانية عشر شهرًا في الجنايات، وسنتين إذا كانت العقوبة المقررة للجريمة هي السجن المؤبد أو الإعدام“. وعند استعراض المواد القانونية وتقديم دفاعي، قال لي المستشار رئيس الدائرة: “ماذا أملك؟، يجب أن تتحدث في هذا الأمر مع النائب العام والنيابة!”، حينئذٍ كان ما يزال المستشار حمادة الصاوي هو النائب العام.

تذكرت المشهد، و استدعيته في ذهني، متخيلًا أنه قد دار أمام المستشار “الصاوي”، محاولًا معرفة كيف ستكون إجابتي حينها؛ فهو النائب العام ذاته الذي أمر بحبس المتهمين الذين أتولى مهمة الدفاع عنهم، فكيف ينظر في أمر تجديد حبسهم أو إخلاء سبيلهم، بمعنى أدق، كيف ينظر القضايا التي تمت إحالتها أثناء فترة توليه منصب النائب العام وهو الذي حقق فيها وقرر تقديم متهميها للمحاكمة؟، والآن هو الذي سيقرر ما إذا كانوا مذنبين أم لا، تعجبت كثيرًا لكني ذكرت أن كل شئ وارد فنحن في مصر!.

 

ما المراحل التي تتطلبها الدعاوى القضائية حتى الوصول إلى المحاكمة الأخيرة؟

تمر الدعاوى القضائية بثلاث مراحل؛ أولها مرحلة جمع الاستدلالات، وبالرغم من أنها إجرائيًا مرحلة يتولاها مأموري الضبط القضائي؛ إلا أنه وبحسب قانون السلطة القضائية فإن النيابة العامة وحدها تشرف على إجراءها، وتكون بموجب توجيهاتها.

تأتي المرحلة الثانية وتتمثل في التحقيق والتحقق، وللنيابة العامة وحدها اختصاص التحقيق في القضايا (التحقيق هنا يعني محاولة الوصول إلى الحقيقة سواء كانت في صالح المتهم أم ضده). ومن الملحوظ أن النيابة العامة هنا تجمع بين سُلطتي الاتهام والتحقيق، ما يُعد مخالفة جديدة لفلسفة الفصل بين السلطتين، إذ أن صفة الحياد يجب أن تتوفر في المحقق، وهو ما لا يمكن حدوثه في تلك الحالة؛ لذلك ينادي ويطالب خبراء القانون بضرورة فصل سلطتي التحقيق والاتهام.

بعد ذلك، تبدأ المرحلة الثالثة الخاصة بإحالة الدعوى إلى القضاء مباشرتها أمام المحكمة. ويكون للنيابة الحق منفردة في إحالة المتهمين في الدعوى الجنائية إلى المحاكمة حين يتوفر لديها الأدلة الكافية التي ترجح ارتكاب المتهم للتهمة المنسوبة إليه، وفي هذه الحالة تكون النيابة العامة هي الخصم بالنسبة للمتهمين وتطالب بتوقيع العقوبة المناسبة والتي تنطبق على الفعل محل الاتهام، ولها الحق أيضًا في مناقشة الشهود.

ووفق ما سبق ذكره، فإن النيابة العامة بالفعل متشابكة في جميع مراحل القضية حتى لحظة النطق بالحكم على المتهمين في الدعوى الجنائية، وإذا كانت المشرفة على المرحلة الأولى (جمع الاستدلالات)، وتقوم بالمرحلة الثانية (التحقيق)، فإنها لا يمكن أن تهيمن على المرحلة الثالثة (المحاكمة)؛ ولكن تصبح طرفا خصمًا للمتهم ومحاميه، لذا أتساءل حول ما يمكن أن يحدث حين يكون أحد أطراف النيابة العامة في أحد القضايا هو نفسه القاضي الذي سوف يحكم في الدعوى؟

لا يمكن تخيل أن هذا الأمر وارد الحدوث، ولكن على أرض الواقع هذا ما يحدث بالفعل، إذ أن النيابة العامة تكون وكيلًا عن النائب العام في مباشرتها لحدود عملها، لذلك يصبح النائب العام نفسه خصمًا في جميع القضايا التي تم التحقيق فيها وإحالتها في ولايته؛ أي أنه هو الذي قرر التحقيق مع المتهمين، وهو الذي أمر بحبسهم، وهو أيضًا من رأى أن المتهمين مذنبون، وقرر تقديمهم للمحاكمة للحكم عليهم بالإدانة.

 

نصوص القانون

نصت المادة (247) من قانون الإجراءات الجنائية على أن: “يمتنع على القاضى أن يشترك فى نظر الدعوى إذا كانت الجريمة قد وقعت عليه شخصيًا، أو إذا كان قد قام فى الدعوى بعمل مأمور الضبط القضائي أو بوظيفة النيابة العامة أو المدافع عن أحد الخصوم، أو أدى فيها شهادة أو باشر عملًا من أعمال أهل الخبرة ..”

هذا هو حدود حياد القضاء في نظر القضايا، وإذا تم مخالفة أيًا من هذه الأسباب المنصوص عليها قانونًا، فإن المحاكمة تكون باطلة وبالطبع الحكم الصادر يبكون باطلًا، ويجب على القاضي التنحي عن نظر القضايا إذا توافرت به سبب من أسباب المنع، فهذا يكون وارد في حالة ترقية أحد أعضاء النيابة العامة لمنصب القاضي ونظر أحد القضاة الذي باشر التحقيق فيها.

وتطبيقًا على القانون، تنطبق الحالة على النائب العام نفسه – أي أنه خصمًا ولا يصلح للنظر في كافة القضايا التي بدأت على مدار الأربع سنوات فترة ولايته-، فهل من الوارد أن يتنحى عن كل هذه القضايا، أم أن قرار تعيينه من الأساس مخالف للقانون والمنطق وفلسفة الحياد؟، ودعوني أتساءل عما كان متخذ قرار تعيينه رئيسًا للدائرة المذكورة على علم بكل هذه المواد القانونية التي تخالفه، أم أنه تجاهلها عن عمد مثلما يتجاهل جميع أحكام وتشريعات القانون عمدًا؟. 

 

قضايا قيد المداولة

تنظر حاليًا محكمة جنايات الإرهاب المنعقدة في سجن بدر عددًا من القضايا؛ الموضوعي منها:”القضية 26 لسنة 2021، والقضية 670 لسنة 2017 الملحق بها 111 متهمًا، وأيضًا القضية 1360 لسنة 2019 المتهم فيها الكاتب الصحفي أحمد سبيع و 37 متهمًا آخر، والقضية 1660 ويمثل عدد المتهمين بها 64 متهمًا، والقضية 1766 المتهم فيها المدافع عن حقوق الإنسان، معاذ الشرقاوي”.

وقد تم التحقيق في جميع تلك القضايا أو إحالتها إلى محكمة الجنايات في فترة تولي المستشار حمادة الصاوي لمنصبه كنائب عام، أي أنه هو قد باشر التحقيق فيها مع المتهمين وقرر حبسهم، ثم أحالهم إلى المحاكمة الجنائية للحكم عليهم، إلى جانب عدد من القضايا المحالة أو التي سوف تقدم إلى المحاكمة قريبًا. ومن المنتظر بعد إقرار استئناف الجنايات أن جميع المتهمين في تلك القضايا سوف ينظر استئنافهم القاضي حمادة الصاوي. 

أخيرًا، دور النائب العام وفصل سلطته عن القضاء يمثل مبدأ أساسيًا في النظام القانوني، وضمانة الحياد والشفافية واستقلال القضاء، وهذا الفصل يمنع التداخل بين السلطات ويحافظ على توازن النظام القضائي، وضمان الثقة في القضاء المصري، فكيف يثق المتهمين في قاضيهم ومحاكمتهم حين يعلمون أن من سيحكم عليهم هو ذاته من قرر حبسهم؟ 

استقلالية القضاء هي العقيدة التي تؤكد على أن القرارات القضائية يجب أن تكون حيادية وغير خاضعة لنفوذ الحكومة، وأن يكون القضاء مستقلًا عن التأثيرات المادية والمعنوية، وأن يتخذ قراراته استنادًا إلى القانون دون تدخلات غير مشروعة. وفي رأيي أن هذه المبادئ الدستورية والقانونية لا يمكن أن تضمن وهذا الوضع مستمر، فإذا توقف كل شئ على شخص واحد يملك وحده الحق في جمع الأدلة، وتقديرها، والتحقيق في الوقائع، والإحالة، ومباشرة الدعوى، فإن افتقاد العدالة الجنائية سيصبح قائمًا لا مفر منه، لذا أتساءل: كم من المتهمين سيتم انتهاك حقهم في المحاكمة العادلة دون تحيز مسبق؟. 

مقالات الرأي لا تعبر بالضرورة عن زاوية ثالثة.

نبيه الجنادي
محامي مصري ومدافع عن حقوق الإنسان

Search